مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
162
تفسير مقتنيات الدرر
* ( [ إِنَّ اللَّه َ لا يَخْفى عَلَيْه ِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ] ) * أي مدرك الأشياء كلَّها مطَّلع على كفر من كفر به وإيمان من آمن به فيجازيهم يوم القيامة . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 6 ] هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِله َ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 6 ) . « التصوير » جعل الشيء على صورة لم يكن عليها والصورة هيئة يكون عليها الشيء في التأليف من صاره إذا ماله أي هو الَّذي يجعلكم على هيئة مخصوصة في أرحام امّهاتكم من ذكر وأنثى وأسود وأبيض وطويل وقصير وحسن وقبيح ، وهو ردّ على الَّذين قالوا : عيسى اللَّه أو ابن اللَّه لأنّ من صوّر في الرحم يمتنع أن يكون إلها لكونه مركّبا أو حالَّا في المركّب وهو في عرض الفناء . * ( [ لا إِله َ إِلَّا هُوَ ] ) * منزّه نفسه أن يكون عيسى ابنا له * ( [ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ] ) * المتناهي في القدرة والحكمة قال صلَّى اللَّه عليه وآله : يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقرّ في الرحم بأربعين أو بخمس وأربعين ليلة فيقول : أشقيّ أم سعيد ؟ فيكتبان ، فيقول : أي ربّ أذكر أم أنثى ؟ فيكتبان ، ويكتب عمله ورزقه وأجله ثمّ تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص ثمّ يقول الملك : يا ربّ ما أصنع بهذا الكتاب فيقول : علَّقه في عنقه إلى قضائي عليه . أقول : ولا ينافي هذا مع اختيار العبد الصلاح والفساد ولا يدلّ على الجبر في الشقاوة والسعادة لأنّ المراد بهذا الكتاب إظهار علمه للملك وليست هذه الكتابة من موجبات الفعل أبدا بل هو إظهار سابق علمه تعالى بأنّ هذا العبد يؤول أمره إلى هذا فمثاله مثال أنّك تعلم من ضمير السلطان أنّه يقتل غدا زيدا السارق فتخبر ابنك بأنّ زيدا غدا مقتول فيقتل غدا فهل القتل مسبّب عن خبرك لابنك أو أنّ إخبارك له من موجبات قتله فالحال الحال والمثال المثال ، فأمر اللَّه تعالى للملك بالكتابة لسابقة علمه لا أنّه قضى عليه بالسعادة أو الشقاوة . نعم الجبر حاصل في التكوينيّات كالذكر والأنثى والطول والقصر وأمثالها وذلك لمقتضى الحكمة لكنّ الأفعال الصادرة منك بحسب مشتهيات نفسك اختياريّة وإنّما دواعيها ميل خاطرك ونفسك ، ودلَّت الآية على كمال علمه وقدرته حيث صوّر الولد في رحم الأمّ على